ساسي سالم الحاج
63
نقد الخطاب الاستشراقي
هي المصادر الشفوية . وهذه الأمور مجتمعة أدّت إلى وضع الكثير من القصص والروايات والأحاديث وقد حاول فقهاء المسلمين غربلة هذه الأحاديث والروايات فوضعوا علم الجرح والتعديل ، واهتموا بسلسلة الرواة ، ولكنهم أقرّوا بصعوبة التأكد من كل المرويات والأحاديث ، وكانوا يختمون رواياتهم وأسانيدهم وقراءاتهم بتلك العبارة التي تدل على الشك : « واللّه أعلم » « 1 » . ويرى « رودنسون » أن الروايات التاريخية المتعلقة بالسيرة النبوية ترقى إلى 125 سنة من حياة الرسول . وكم لعب الخيال دوره إبّان هذه الفترة الطويلة ، ومع ذلك فإن العديد من الوقائع كانت صحيحة مؤكدة ، لأن معظم الأحزاب السياسية المتناحرة قد اتفقت على صدقيّتها خاصة فيما يتعلق بأسماء زوجاته وأصحابه وغزواته . ولكن الكثير من التفاصيل غير مؤكدة خاصة أن معلوماتنا ضئيلة جدّا عن المرحلة المبكرة لحياة محمد ، وقد اخترع الكثير منها بأخرة . واستدل على اختراع هذه الوقائع التي يراها غير صحيحة بقصة استرضاعه لدى حليمة ، وشق الملكين لصدره . وقد ذهب في ذلك مذهب زميله « مونتجمري وات » كما ذكرنا . ويستطرد « رودنسون » في سرد حياة محمد الأولى واصفا موت والدته آمنة وهي عائدة به رفقة أمتها « أم أيمن » من رحلة قامت بها إلى المدينة . وتولّى رعايته جده عبد المطلب الذي كان يبلغ من العمر أربعا وثمانين سنة . ولم يلبث أن توفي هذا الشيخ بعد سنتين من وفاة والدة الرسول ، فتولى رعايته من بعده عمّه « أبو طالب » . ويصف « رودنسون » شخصية « أبي طالب » من أنه تاجر ميسور الحال ، كان شقيقا « لعبد اللّه » وتولّى رئاسة عشيرة بني هاشم التي كانت تسيطر على مكة في تلك الفترة كما يقولون « 2 » . ويحكى أن أبا طالب كان يسافر من حين لآخر إلى سوريا على رأس قوافل تجارية ، وقد اصطحب ابن أخيه في إحدى هذه الرحلات معه وبلغ به مدينة « بصرى » التي هي ملتقى خمسة طرق تجارية . وهي مركز مسيحي هام تزينها كنيسة جميلة ، ومليئة بالتحف الرائعة والآثار الخالدة كالمسرح الروماني الذي لا يزال شاهدا على عظمتها القديمة . وفي هذه المدينة يقع مقر البطريق الغساني « الحارث » الذي عينته
--> ( 1 ) Ibid , op . cit , p . 67 . ( 2 ) Ibid , op . cit , p . 70 .